محمد متولي الشعراوي

1612

تفسير الشعراوى

ربّا يتكلم إن الإنسان حينما يتكلم قد تفوته معان كثيرة ، وبعد ذلك قد تحدث ضجة وبلبلة وثورة بين الناس ، لكن الحق الأعلى عندما يقول : « إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا » ويتبع ذلك فورا بقوله المطمئن : « وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ » وقد فعل وجبى الحق وجلب إلى البيت الحرام ثمرات كل شئ ، وكأنه يقول لنا : لا تعتقدوا أن هذه الثمرات قادمة عن طريق التطوع ولكنها رزق من لدنا ، كما جاء في قوله الحق : وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) ( سورة القصص ) أي أنه ليست هناك حرية لأحد أن يعطى أهل البيت الحرام أو لا يعطى ، إنها جباية ، لطمأنة الملكة النفعية في النفس ، وهو سبحانه يعطى الأمان الاقتصادي الذي يترتب عليه قوام الحياة ، وعندما نمعن النظر في آيات القرآن نجد أن هناك آية قد تتقدم وآية قد تتأخر ، وآية قد تأتى في الوسط ، ونجد أن الآية الوسطى ، مرتبطة بتداعى المعاني بالآية التي قبلها ، ومرتبطة بتداعى المعاني بالآية التي بعدها ، وذلك لترتوى وتتغذى كل ملكات الإنسان فلا يأتي أمر يوحى بأن هناك ما ينقص النفس البشرية ، لنتأمل مثالا لذلك وهو قوله الحق : وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( من الآية 8 سورة المجادلة ) إن المشركين لم يقولوا لأحد : « إنما قالوا لأنفسهم » ، ويكشفهم الحق سبحانه العليم في أخفى خباياهم ، ويظهر ما في أنفسهم ، وهو العليم بكل خفايا عباده والكاشف لكل الملكات النفسية في خلقه . وحين يقول الحق سبحانه : « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ » . فإن الآية تحريض على الإنفاق ، وجاءت بعد آية تفيد أن هناك إنفاقا لا يقبله اللّه في قوله سبحانه :